علاء الأسواني يكتب " دفاعاً عن العملاء و الخونة "


هذا المقال بالتعاون مع موقع DW
منذ أعوام قدم المسرح الفرنسي روايتى "شيكاغو". أعد المسرحية وأخرجها صديقي المخرج الكبير جون لويي مارتينيللي وكان مديرا لمسرح ليزاماندييه في باريس حيث عرضت المسرحية قبل أن تنتقل للعرض في مدن فرنسية أخرى ..لاحظت أن السيد مارتينيللي في كل لقاءاته الصحفية يوجه نقدا لاذعا لرئيس الجمهورية الفرنسية ( نيكولا ساركوزي آنذاك) فسألته:

ــ أنت مدير لمسرح حكومي وتنتقد رئيس الجمهورية علنا. ألا تخشى أن يطردك من منصبك؟

نظر إليَّ باستغراب ورد قائلا:

ــ أنا مدير مسرح تابع للدولة الفرنسية وليس لرئيس الجمهورية.




الفكرة هنا ان الحكومة هي السلطة التنفيذية أما الدولة فتتكون من الحكومة والأرض والشعب، وبالتالي مهما عارضت الرئيس لاتعتبر أبدا معارضا للدولة . . من هنا عارض المخرج الأمريكي مايكل مور بقوة حرب العراق وهاجم رئيس بلاده جورج بوش بكلمات قاسية كما أن الكاتب الفرنسي جون بول سارتر ( 1905-1980) دافع عن حق الجزائريين في الاستقلال وأدان بشدة جرائم التعذيب التى ارتكبها الجيش الفرنسي وفي عام 1968 انضم سارتر للحركة الطلابية وراح يوزع منشورات الطلاب في شوارع باريس وعندما اقترح وزير الداخلية على الرئيس ديغول اعتقال سارتر مؤقتا. انزعج ديغول من الفكرة وقال:

-" فرنسا لا تعتقل فولتير أبدا"

أما الكاتب البريطاني جورج برنارد شو فقد فضح جريمة بريطانيا في دنشواى (1906) وكتب "اذا كان ما فعله الجيش البريطاني في دنشواى يمثل الأخلاق التي ستحكم بها الامبراطورية البريطانية العالم فلا يوجد واجب انساني أهم من اسقاط هذه الامبراطورية".

كل هؤلاء وغيرهم كثيرون عارضوا بشدة حكوماتهم بل واتهموا جيوش بلادهم بارتكاب جرائم ولم يتهمهم أحد بالعمالة والخيانة لأنه في النظام الديمقراطى الحكومة ليست الدولة والرئيس ليس الوطن ..

أما في بلادنا المنكوبة بالاستبداد فان الرئيس هو الدولة ورمز الوطن والأب وكبير العائلة وشيخ القبيلة . . في العهد الناصري شاعت مقولة "الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب" وبالطبع كانت أجهزة الأمن وحدها التي تحدد من هم أعداء الشعب. الآن تتجسد مصر كلها في شخص الرئيس السيسي. أنت وطني بقدر مديحك للسيسي وخائن بقدر اعتراضك على سياساته. لم يعد هناك مكان في مصر للرأي الآخر، المعارض للسيسي اما أن يعتقل وتوجه له باقة التهم الملفقة المعتادة مثل التحريض ضد الدولة واثارة البلبلة واما أن يتعرض لحملة بشعة من التخوين.

في الدول المتحضرة لا يمكن اتهام أي شخص بالخيانة قبل أن يصدر في حقه حكم نهائي بالخيانة ( بشرط أن يكون القضاء مستقلا) أما في عهد السيسي فما أسهل اتهامك بالخيانة بدون الحاجة لأى دليل. لقد سيطرت أجهزة الامن على الاعلام المصري تماما وتم استبعاد مجموعة من أكفأ الاعلاميين واكثرهم مهنية واستبدلوا بهم مجموعة أراجوزات تابعين للأمن.(الاراجوز يتحرك بواسطة خيوط يتحكم فيها شخص لا نراه) هؤلاء الأراجوزات من سواقط القيد في مهن لا علاقة لها بالاعلام: لاعب كرة طائرة وتاجر أعشاب وممثل مغمور وسيناريست مبتدئ.هؤلاء يستعملهم النظام ويمنحهم حماية قانونية - برضا السيسي وموافقته - من أجل اهانة وتخوين أي شخص يعترض على سياسات السيسي. المدهش ان تهمة الخيانة مطاطة يتم رفعها عنك أو الصاقها بك وفقا لموقفك من السيسي. لقد كان الدكتور محمد البرادعي نائبا لرئيس الجمهورية وهو منصب لايمكن لأحد أن يشغله الا بعد مراجعات أمنية دقيقة. عندئذ كان البرادعي محل احترام النظام ولكن بمجرد اختلافه مع السيسي تم اطلاق الاراجوزات عليه ليتهموه بالخيانة، نفس الشيء حدث مع العالم الكبير عصام حجي الذى كان مستشارا علميا للرئيس السيسي لكن بمجرد اعتراضه على اختراع هزلي لعلاج مرض الايدز تقدم به شخص برتبة لواء يدعى عبد العاطى خرج عليه الاراجوزات ليتهموه بالخيانة. نفس الشيء حدث مع المهندس الكبير ممدوح حمزه الذى وجه نقدا علميا لمشروعات السيسي. لم يترك الاراجوزات معارضا واحدا بدون اتهامه بالخيانة لمجرد انه رفض أن ينافق السيسي وقال ما يرضى ضميره.




حتى شباب الثورة أنبل وأشجع من أنجبتهم مصر تم اتهامهم بالخيانة والتمويل من الخارج مع ان أجهزة السيسي الأمنية كلها فشلت في تقديم دليل واحد على تمويل أي شاب ثوري ..لقد خرجنا من نظام الاخوان الذى يحتكر الدين إلى نظام السيسي الذى يحتكر الوطنية. اذا عارضت الاخوان يتهمونك بأنك عدو الاسلام واذا عارضت نظام السيسي يعتبرك عدوا للوطن. ان من يتهمهم أراجوزات الاعلام بالخيانة لمجرد أنهم يعارضون السيسي هم في الحقيقة مجموعة من أفضل أبناء مصر وأكثرهم وطنية واخلاصا وهم يتمتعون بالشرف والشجاعة لأنهم رفضوا أن يسيروا مع قطيع المنافقين وناصروا الحق بالاضافة إلى ان معظمهم أصحاب مواهب وكفاءات مشرفة لمصر ..أي دولة في العالم ستفخر قطعا لو كان من أبنائها مهندس نابه مثل ممدوح حمزه أوعالم نابغ مثل عصام حجي أوكاتب موهوب مثل بلال فضل أواعلامي كبير مثل يسري فوده أونجم تليفزيوني ساخر مثل باسم يوسف أو ممثل عالمي مثل عمرو واكد أو خالد أبو النجا..

مصر تخسر بالديكتاتورية أكثر بكثير مما يظن الديكتاتور. ان من يحكمون مصر يعيشون بعقلية الخمسينيات من القرن الماضي، لازالوا يعتبرون القمع طريق الاستقرار والمشروعات العملاقة أهم من حرية الناس وكرامتهم. أفكار قديمة عفا عليها الزمن يطبقونها في مصر وينتظرون نجاحها بعد أن فشلت في الدنيا كلها.

الديمقراطية هي الحل
المكان: مصر مصر
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الموقع

NEWS TV المصداقية مبدء و الحقيقة هدف و حرية الشعوب إهتمامنا

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات لموضوع "علاء الأسواني يكتب " دفاعاً عن العملاء و الخونة ""


الابتسامات الابتسامات