وهم وسراب التنظيم الدولي للإخوان



أحسن اتحاد المنظمات الإسلامية بأوروبا صنعا عندما أعلن في هذا الأسبوع القرار الحكيم الذي تأخر كثيرا، بعدم وجود ارتباط بينه وتنظيم الإخوان المسلمين، وأنه مؤسسة أوروبية لا تربطه أي صلة بأي كيانات أو تنظيمات خارج أوربا، فتأكيد فك الارتباط بهذا الشكل يرفع عبئا كبيرا عن الاتحاد وأفراده ومؤسساته، ولكي تتضح أهمية القرار وجدواه، لا بد من وقفة عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وجدواه، وهل له وجود حقيقي، أم أنه سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء؟! فقد ظن البعض أن بقرار كهذا قد هدم ركنا ركينا من أركان الدعوة الإسلامية، وأنه وبال كبير، ولذا كان لا بد من وقفتين: الأولى تكون عن التنظيم الدولي، والثانية عن جدوى وأهمية القرار وآثاره.

لقد كتب من قديم صديقنا الراحل الأستاذ حسام تمام مقالا تفصيليا ومهما عن التنظيم الدولي للإخوان، وهي فكرة راقت – في الأصل - وعمل عليها الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله وبعض إخوانه، بغية تحقيق حلم العالمية بتنظيم دولي للجماعة، ولكنها كانت حلما أشبه بخيال لا أثر له على الواقع، فحتى الهدف الذي وضع لأجله وهو التنسيق بين الأقطار في مواقفها، فقد أصبح شكليا، فترى الموقف ونقيضه من الإخوان في بلدين يصدر الموقف فيهما عن الإخوان المسلمين، هذا يشرق وذاك يغرب!! وأصبح وجود هذا الكيان الشكلي يمثل عبئا على بعض الأقطار التي يتواجد فيها الإخوان بشكل قوي، وبخاصة دول الخليج، التي توحي هذه الفكرة بوجود بيعتين للأفراد بيعة لحاكمه، وبيعة أخرى وولاء لفرد خارج بلاده. ولذا كان أول قرار فك الارتباط بالتنظيم الدولي من نصيب إخوان الكويت بعد تحريرها من غزو العراق، وقبل بذلك الإخوان، لأنهم رأوا أن الحفاظ على الدعوة بغير لافتة التنظيم الدولي هو الأهم، والأنفع والأجدى للجميع، وعدم الوقوف على شكليات تنظيمية لا تفيد بشيء، بل تفسد علاقة الحركة الإسلامية بالدول التي تعيش فيها، وتوالى بعد ذلك دول أخرى قامت بما قام به إخوان الكويت. والحديث بتفاصيل مسهبة عن التنظيم الدولي للإخوان يحتاج مقالا منفصلا ومفصلا أكثر، ولكنا نتناول ما يخص واقعتنا المحددة الآن.




وعندما استضافت قناة الجزيرة الأستاذ يوسف ندا وتكلم عن أدوار ومواقف قام بها، تحت مسمى مسؤول التنسيق الدولي للإخوان، وأعلن وقتها الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد عدم وجود مسمى تنظيمي بهذا، وأن ارتداء الجماعة عباءة غير حقيقية يصيبها بعداوات لا داعي لها، ويجعل الحكومات والأنظمة تنظر لها نظرة أكبر من حجمها وهو ما يتسبب لها في ضرر بالغ. انطلاقا من هذه المواقف وبخاصة بعد الانقلاب العسكري، يتأمل الدارسون جدوى وقيمة وفاعلية ما يسمى بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وهل هو كيان وهمي؟ وهل له نفع يذكر، أم أنه كيان ضرره أكبر من نفعه؟!!

وعندما جاء الانقلاب العسكري في مصر بدأت قناعة عدم جدوى التنظيم الدولي، أو نفعه للجماعة تتضح أكثر، بل ترصدها الجماعة في مصر، وفي رسالة من القائمين على أمر الجماعة في مصر في أواخر عام 2014م أرسلت هذه الرسالة للإخوان المسؤولين بالخارج تشرح لهم أهمية وجود مكتب للإخوان المصريين بالخارج، وقد جاءت فيها هذه الفقرة التي تخص التنظيم الدولي، والتي جاء فيها: (ثالثا: إخوانكم فى الداخل على قناعة تامة بأننا ندفع ثمن وجود تنظيم دولي للإخوان، لكننا لم نرى مظاهرة واحدة أخرجها التنظيم في أي مكان احتجاجا على العديد من أحكام الإعدام في حق مرشده، ولم نجد جهازا واحدا من أجهزة التنظيم كان لها دور، وليس أدل على ذلك أن جهاز الأخوات لم يكن له أي دور أو تحرك ضد حالات الاغتصاب، والسحل وأحكام المؤبد التى صدرت فى حق عشرات الأخوات، وذلك بالرغم أن العديد من الأخوات فى أكثر ن قُطْر هن عضوات فى منظمات دولية، وهو ما نرى أنه يجب على الإخوة أعضاء مكتب الإرشاد فى الخارج أن يقوموا بدورهم فى التنظيم الدولي حتى يشعر الإخوان والثوار بدور التنظيم).

وهو كلام صحيح فلم ينجح التنظيم الدولي في أي قضية ترفع على الانقلاب، ولا على السيسي، أو محاصرة الانقلاب عالميا، بل عهد بالملف لأشخاص لا خبرة لهم بالأمر، ولا علاقة لهم به، وفي هذا الملف تفاصيل كثيرة لا أحب الخوض فيها، رأيتها بنفسي، وشكا منها الكثيرون، بل كانت أشبه بشو إعلامي يمارس كل فترة، بشكل صار أشبه بمخدر يعطى للناس كل فترة، فإذا كان هذا الشعور هو موقف إخوان الداخل في مصر، فلماذا لا يفكر نفس التفكير اتحاد المنظمات الإسلامية، وهو كيان دعوي في أوربا، همه الأكبر الحفاظ على الوجود الإسلامي في أوربا، وليس الحفاظ على تنظيم الإخوان المسلمين، فالتنظيم وسيلة، والغاية هي الإسلام، وهو ما تأخر إعلانه كثيرا، ولكن أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي، وهو ما تبلور في قراره الأخير الذي صدر هذا الأسبوع.

والمطلوب من اتحاد المنظمات كثير، لا يقف عند هذا الإعلان بفك الارتباط، بل مطلوب ما هو أهم من حيث تجديد الاتحاد خطابه من حيث ثوابته الدعوية التي ربما استلهمها البعض من أدبيات إخوانية كانت تصلح لبيئتها العربية، ولا تصلح بحال للبيئة الأوروبية، واستدعاء تجارب في بلاد غير بلادهم التي يحيون فيها، إن ثبت نجاح هذه التجارب في بلادها، فما بالنا وبعضها فشل فشلا ذريعا في بلاده بسبب هذه الأدبيات، وكذلك خطاب الاتحاد مع الآخر، وعلاقته بالغرب الذي يقيم فيه، وربما التفكير في اسم الاتحاد نفسه، فليس مقبولا أن يجمد الناس على اسم ليس من الإسلام في شيء التمسك به، ولا يمثل خرقا لثابت إسلامي التخلي عنه، وبخاصة أن مجلس الإفتاء الأوربي – أحد منجزات الاتحاد - كان يرفع شعارا يطالب المسلمين بتحقيقه في أوربا، وهو: تمسك بلا انغلاق، واندماج بلا ذوبان.
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الموقع

NEWS TV المصداقية مبدء و الحقيقة هدف و حرية الشعوب إهتمامنا

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات لموضوع "وهم وسراب التنظيم الدولي للإخوان "


الابتسامات الابتسامات