عمر قناوي يكتب : ماذا لو...؟



عمر قناوي
مضي ما يزيد عن شهرين علي آخِر تدويناتي السياسية ، والتي يمكنك قراءتها من "هنا".و لكونك مواطن مصري سعيد تنعم بديمقراطية وحرية غير مسبوقة ، وتعيش في رخاء توفره لك قيادة رشيدة ؛ فالطبع سيتسع صدرك لإعادة نشري لتلك النصيحة البائسة التي أرفقتها بمقالي السابق لما هيمن علي يأسي و إيماني الكامل بغوصنا في ظلام بهيم لا نعلم لاِنجلاءه موعد - أرجو ألا تأخذ ما أكتب علي محمل الجد ؛ فمصر بخير ، وأنا فقط شخص سوداوي وبائس ، بل ومختل و أكتب إليك الآن من مستشفي الأمراض العقلية ، غرفة الحالات الميؤس منها - وعلي إثر ما سبق قررت أن أعود زاحفاً ؛ لألتقط تلك النصيحة ، والتي أدركت ويا لأسفي أنها السبيل الوحيد للحياة هنا ، ألا وهي : " لا تتحدث في السياسة ، ولا تهتم بها ، و اكتم خوفك وحسرتك علي وطنك في قلبك المُهشم ، وحاول علي قدر الإمكان تحسين فرصك في المستقبل المجهول ، ومن الأحسن أن تكن تافهاً ، نعم..كن تافهاً لتسعد" . وبما أن عينيك تطأ مقالي الثاني ؛ فقد ترتسم علي وجهك اِبتسامة سخرية من ذاك الأحمق "العبد لله" ؛ الذي لم يلتزم بكلمته ، و أخلف وعده ، وعاد مجدداً للحديث السياسي والكتابة. و إني لداعي الله بأن يديم عليك نعمة الاِبتسام ، لكن دعني أخبرك بحقيقتين : أما الأولي فهي أن عدم التزام المرء بكلمته ، وخلفه لوعده في هذه الأيام ؛ قد يوصله لأرقي المناصب ، بل و باستمرار إطلاقه للوعود الكاذبة؛ سيهيمن علي عقول مؤيديه . ولأضرب لك مثلاً : هل تعرف من أعلن عن نيته بعدم الترشح للانتخبات الرئاسية وترشح؟ هل تعرف من شرع بتنفيذ مشاريع وهمية ، و وعد بأن تدر أرباح فلكية ؟ هل تعرف من كرر وعده مرات عديدة بإيجاد حل لأزمة الارتفاع الجنوني لأسعار السلع ، وما زالت تلك الأسعار تواصل الارتفاع؟ هل تعرفه؟ الحق أنني لا أعرفه ، فإذا كنت تعرفه ؛ فبادر بإرسال الإجابة مرفقة بالأسئلة السابقة للقصر للرئاسي ، لتربح رحلة مجانية لإحدي المعتقلات المصرية ، ولي الأجر والثواب عند الله. و أما الثانية ؛ فهي أنني لم أخلف وعدي ، وما زلت أعمل بتلك النصيحة البائسة ، التي قد تكون السبيل الوحيد لحياة الفرد ، لكنها السبيل لنهايتنا جميعاً. إلا أنه لم يكن من المنطقي أن يمر عيد من اعطتنا الحق في أن نتكلم دون أن أكتب عنها و لو سطراً واحداً . ولكن لتعلم أن هذا المقال ليس بصدد الحديث عن الميدان و أبطاله ؛ فهناك من هم أجدر مني بكثير ليقصوا علينا تلك القَصص التي تشعرنا بهويتنا ، ناهيك عن أن معظم قَصص ومشاهد الثورة ما زالت ملتصقة بذهن كل من شارك فيها أو حتي عاصرها. إنما في آخِر أيام عيد الثورة السادس ، أطرح في هذا المقال تساؤل بسيط : ماذا لو؟ ماذا لو لم تقم الثورة؟ هل كان جمال مبارك رئيس مصر لعام 2011؟ قد لا أعتقد بصحة ذلك الظن ، فما كان للتوريث أن يمر دون حدوث صدام حاد بين سلطان مبارك و السلطان العسكري الذي سيأبي أن يتوقف التوريث العسكري لمصر ، ومن الصعب توقع ما كان سيؤول إليه هذا الصدام. و علي اعتبار أن استمرار مبارك - الذي كثر التندر بأيامه في سدة الحكم حتي الرحيل الأخير هو التوقع الأقرب للصواب بما يحمله التوقع بداخله من مؤشرات تؤيده و تقويه ، فدعني أسرد لك القليل عما ستجده في يومك ، إذا ما كان مبارك مستمراً إلي يومنا هذا . ولنبدأ... إذا كنت من محبي مطالعة الصحف صباحاً ، ومتابعة أحوال البلاد و العباد ، فلتعلم أن الصحافة في عصر مبارك ؛ إما حكومية مدلسة ، أو مستقلة تُدار بواسطة القوي الأمنية لتشارك في التدليس بوجه آخَر ، و إما مستقلة تحاول بقدر الإمكان الإفلات من الطوق الأمني الموضوع حول حرية الرأي ؛ فتكتفي بذكر نصف الحقيقة ؛ لأن عرضها للحقيقة كاملة قد يجعلها عُرضة للإغلاق ، أو معاقبة الصحفي الآثم الذي تجرأ بعرض الحقيقة كاملة . وقد تحتال تلك الصحف ؛ فتذكر الحقيقة كاملة ، لكنها تشرع بإلقاء اللوم بالكامل علي أحد المسؤولين دون الاقتراب من أكبر رأس في الدولة . أما إذا كنت مُصراً علي معرفة الحقيقة كاملة ؛ فقد تلجأ للمدونات المحدودة علي الشبكة العنكوبتية التي يحاول أصحابها ، الإفلات قدر الإمكان من القبضة ، وتحمل المضايقات الأمنية. أما عما ستحتويه الصحف بين صفحاتها ، فمن فرط ما هو مُتكرر يمكنك التنبؤ به : ففي الصفحات الأولي إن لم يكن هناك كارثة ضخمة من الصعب تجاهلها ؛ ككارثة عبارة السلام التي راح ضحيتها أكثر من 1400 مواطن مصري ، أو حادثة قطار العياط 2002 التي راح ضحيتها أكثر من 360 مصري ؛ فسيتم إفرادها للحديث عن مشروع توشكي الفاشل ، ومن يدري فقد يتفتق ذهن السيد جمال مبارك عن مشروع قومي تتبناه الدولة ؛ لما فيه من نفعة للمصريين ، و لتعلم أن المصريين هم السيد مبارك وحاشيته فقط ، أما من سواهم من حاملي الجنسية المصرية فلا قيمة و لا حاجة لهم. ومن الجيد أن في عصر مبارك ، لن تتشح الصفحات الأولي من الصحف بالسواد ؛ حداداً علي استشهاد مجندين مصريين علي أيدي عناصر إرهابية ، لكن لا تُفاجئ كثيراً حين يتصدر الصُحف خبراً كالذي طالعناه في الثامن عشر من نوفمبر لعام 2004 ، والذي أفادنا باستشهاد ثلاثة مجندين مصريين بقذيفة تم إطلاقها من فوهة دبابة إسرائيلية كانت متمركزة علي الحدود.الكيان الصهيوني بدوره اعتبر هذا الحادث خطأ ، معزي الأمر إلي اعتقاد خاطئ بأن المجندين المصريين هم نشطاء فلسطينيون في طريقهم لشن هجوم! و إن كان الحادث قد سقط من ذاكرتك ، فدعني أذكّرك بأن هذا الحادث لم يكن أول الخروقات الصهيونية علي الحدود المصرية في عهد مبارك ، ولم يكن الأخير ؛ حيث قُدر إجمالي عدد حالات الخروق التي تورط فيها الكيان الصهيوني نحو أكثر من 20 حالة في الفترة ما بين 1985-2008 من بينها 7 حالات استهداف لأفراد أمنية مصرية و 9 حالات استهداف لمدنين مصريين من أبناء القبائل السيناوية . وقد كان الرد الرسمي لمصر مبارك علي كل تلك التعديات الآثمة ، يوُصف بكلمة واحدة : (الخنوع). الصفحات التالية ستحوي خليط من أخبار كارثية معتادة ؛ مثل حريق اندلع هنا ، وقطار سقط هناك ، مع باقة متنوعة من حوادث الطرق ( نتيجة للفساد المالي والإداري بلغ عدد الحرائق في عام 2010 نحو 13036 حريقاً ، راح ضحيتها 4462 شخصاً ، و إصابة ما يزيد عن 45859 ، و نتيجة حوادث القطارات راح أكثر من 6 آلاف شخص ، وأصيب نحو 21 آلاف آخرين. ويذكر أن متوسط عدد الحوادث في عصر مبارك بلغ نحو 120 ألف حادث سنوياً). أبرز ما ستجده بجانب الأخبار الكارثية؛ استغاثات عاجلة لن تُستجاب لمواطنين يعانون ، وخبر شبه يومي عن اقتراب تعديل وزاري ، وأخبار تتناول جرائم القتل والعنف التي يزداد معدلها بشكل ملحوظ ، بالإضافة إلي أخبار أخري لن يهتم أحد غالباً بقراءة تفاصيلها ؛ لأنها ببساطة وهمية ، وُضعت لسد الفراغ ، ومن أجل التقريب قد تكون تلك الأخبار علي شاكلة خبر يتناول خطة وذارة التربة و الطعليم للنهوت بالعملية الطعليمية . وقس علي ذلك أمثلة كثيرة. و أما ما تبقي من صفحات فهي من نصيب الأخبار الفنية والرياضية مع ذكر دور السيد الرئيس ونجليه ، في دعم الرياضة والرياضين. وقبل أن أفرغ من الحديث عن الصحافة ، سأعير انتباهك إلي أن للصحيفة التي تقرؤها استخدامات أخري في عصر مبارك ؛ فغير أن عموم المصريين يستخدمون أوراق الصحف في أغراض تتعلق بالطعام ، فلابد أن تعلم أن هناك مواطنين مصريين يستخدمون أوراقها استخدام آخر أُجبروا عليه ، ألا و هو حين يفترشونها علي أرض المشافي الحكومية المكتظة بأمثالهم من المنتظرين علاج أمراضهم المرمنة المختلفة و التي علي رأسها السرطان ، والفشل الكلوي والكبدي ؛ والتي تفشت في ديار المصريين علي يد كل من السيد مبارك ، والسيد يوسف والي. و لنكن منصفين بعض الشيئ ، ونتحدث قليلاً عن الإيجابيات التي سنلاقيها في عصر مبارك ، وحتي لا نطيل دعنا نذكر منها القليل ؛ مثل وسائل الترفيه المتاحة لك ، فإن لم تجد متعتك في الأعمال الدرامية و السينمائية و البرامج المنوعة ، تستطيع أن تشاهد جلسات مجلس الشعب المُزور ، و أعدك أنك ستضحك من القلب علي السيد النائب الذي يتناول الطعام في حرم المجلس في أثناء انعقاد الجلسة ، والآخر الذي يغض في نوم عميق ، والنائب الرومانسي الذي يحاول استمتالة النائبة الحسناء بنت سيادة اللواء . كما ستقضي وقت مرح حقاً حين تحاول البحث بين الحضور عن النائب الممثل عن دائرتك الذي لم تنتخبه وقد نجح غالباً بأصوات المتوفيين ، وفي نهاية المطاف لن تجده بين الحضور ، أو حين تقوم بإحصاء عدد مرات نطق رئيس المجلس لكلمة (موافقة) دون النظر للنواب ، و لنتفق أنه ليس بحاجة للنظر إليهم ، فجميعهم بالطبع من أبناء الحزب الوطني ، أو قد تجد نسبة ضئيلة يشغلها أعضاء جماعة الإخوان! (يُذكر أن جماعة الإخوان قد تمسكت بالمشاركة في انتخابات 2010 النيابية الهزلية ؛ رغبة منها في الحفاظ علي درجة التمثيل البرلماني ، إلا أنها عادت وقاطعت جولة الإعادة). ومن أجل الإنصاف لنذكر أن أهم ما سيميز عهد مبارك ؛ هو الأمن و الأمان الذي سيعم مصر تحت مظلة قانون الطوارئ. ولا مشكلة إن كنا سنقدم بعض القرابين للقوي الأمنية من أجل الحصول علي الأمن والأمان ؛ فما المانع أن نفقد كرامتنا و نتحمل إهانات السادة الضباط والسادة أُمناء الشرطة؟ وما المانع أن يُجتر آلاف الأبرياء للمعتقلات بدون وجه حق ؟ وما المانع أن تمتلئ أقسام الشرطة و مقرات أمن الدولة بحالات التعذيب التي قد تُفضي إلي الموت ؟ أخبروني ما المانع أن نتحمل كل ما سلف ذكره من أجل الحصول علي الأمن و الأمان ؛ الذي سيضمن لنا الاستقرار. ومن أجل الاستقرار سنتحمل الفساد المالي و الإداري ، ونهب المليارات من المال العام ، والعديد من الصفقات المشبوهة والتدفقات المالية الغير مشروعة التي من بينها الأصول المسروقة المقدرة بالمليارات و التي سيتم تحويلها للخارج بطرق غير قانونية ، وكل ما سبق سيضمن لمصر تحقيق إنجاز ضخم بإحتلال مركز متقدم بين الدول الأكثر فساداً ؛ و هو ما له انعكاس علي المواطنين بسقوط شرائح جديدة تحت خط الفقر ، والذي قُدر عدد الساقطين بأسفله مع بداية عام 2011 نحو 21 مليون نسمة ، ومع زيادة معدلات الفقر و البطالة و العنوسة ؛ ستزداد معدلات الجريمة بأشكالها المتعددة ، وهو ما سيخلق مجتمع فوضوي خالياً من أي أمن أو استقرار ! لكننا سنتحمل كل ذلك أيضاً ما دام النظام قادراً علي إيهام الكثيرين بأننا دولة آمنة مستقرة ، و ذلك ما لم يفلح أي نظام بتحقيقه بعد رحيل نظام مبارك. مازال في جعبتي الكثير لأخبرك به عن حال مصر ، إذا ما كان مبارك مستمراً إلي يومنا هذا . وقد قمت بوضع الإحصائية البسيطة التي تتناول عدد الحرائق و حوادث القطارات التي وقعت في عام 2010 عامداً ؛ لتعلم أن كل ما طرحته في مقالي التخيلي الهزيل ليس إلا تكرار لمآسي عاصرناها في عهد المخلوع ، وأن التخيل المطروح هنا ليس إلا غشاء هش جداً بأسفله المئات من التقارير و الإحصائيات المفجعة. وقد كانت نيتي لما عزمت الشروع في كتابة هذا المقال؛ هو أنه أجعله يتسع لضم ما استطعت جمعه من إحصائيات و تقارير مبسطة تتناول بالأرقام الجرائم التي تمت بعهد المخلوع ، إلا أن أصغر تقرير قد يتناول ملف كالفساد المتمثل في إهدار المال العام و الرشاوي و التدفقات المالية الغير مشروعة و الخسائر التي تكبدناها بسبب تصدير الغاز الطبيعي للكيان الصهيوني و خلافه ، وعلاقة ذلك بتردي الصحة والتعليم و زيادة معدلات الفقر و البطالة . أو ملفات الاعتقال و التعذيب داخل مقرات أمن الدولة أو أماكن الاحتجاز و المحاكمات العسكرية والاختفاءات القسرية و محاصرة حرية الرأي ومحاكمات الصحفيين و اعتقال المدونين بل ومصادرة المطبوعات والمؤلفات ، قد يكون حجمه ثلاثة أضعاف حجم هذا المقال ؛ فمن الصعب حصر كل أو حتي معظم الجرائم التي تمت في عهد المخلوع في مقال واحد ، ودلالة ذلك لوحدها تكفي. إلا أن الدافع الحقيقي وراء عدم الرغبة في الإطالة بالحديث عن جرائم المخلوع ؛ هو أنا جرائمه مازالت تُرتكب بحق هذا الشعب إلي يومنا هذا ، بل أن الأرقام التي تتناول ملفات كالفساد و الاعتقالات وخلافه ، قد ازدادت أضعافاً مضاعفة ، و لنذكّر من نسي أن الثورة قد كانت من أجل إيقاف تلك الأرقام عن الزيادة ؛ قد كانت من أجل إيقاق النزيف و مقاومة الانهيار . فلو كان هناك هدف جلي لثورة يناير فهو ألا نصل لما وصلنا إليه الأن.
تطبيق اخباري



المكان: مصر الشرق الأوسط
تنويه : الصور والفيديوهات في هذا الموضوع على هذا الموقع مستمده أحيانا من مجموعة متنوعة من المصادر الإعلامية الأخرى. حقوق الطبع محفوظة بالكامل من قبل المصدر. إذا كان هناك مشكلة في هذا الصدد، يمكنك الاتصال بنا من هنا.

عن الموقع

NEWS TV المصداقية مبدء و الحقيقة هدف و حرية الشعوب إهتمامنا

التعليقات
0 التعليقات

0 التعليقات لموضوع "عمر قناوي يكتب : ماذا لو...؟"


الابتسامات الابتسامات